خبزٌ في العتمة
كانت يُطلق عليها الجميع اسم "أم الفقير"، امرأة طاعنة في السن، يلتف وجهها بتجاعيدَ تشبه خدوش الصحراء، لكن عينيها كانتا تشعان بنورٍ دافئ لا ينطفئ. لم تكن تملك من حطام الدنيا سوى كوخٍ طيني على أطراف سوق الأسرار، وتنورٍ قديم تخبز فيه كل ليلة بضع رغفات من الشعير.
ورغم فقرها المدقع، لم يطرق بابها جائعٌ إلا وخرج ومعه نصف رغيف وكلمة طيبة تشد أزره. كان أهل السوق يتعجبون من أين تأتي بالطحين كل يوم، بينما لا يراها أحد تشتري من التجار أو تستجدى من الأغنياء. وكان السر يكمن في بئرٍ مهجورة خلف كوخها، تُدعى "بئر البركة"، تحكي الأساطير أن جنيّاً زاهداً أودع فيها سر القناعة، فكلما فرغ جِرابُها، دعت ربها بقلبٍ صادق، فيمتلئ الكف بركةً ورحمة.
وفي الجهة المقابلة من المدينة، في القصر الكبير ذات الأسقف المرفوعة والأعمدة الرخامية، كان يعيش القاضي "ابن الجوزي". كان رجلاً يزن الأمور بميزان الذهب والأوراق، يُعرف بصرامته وعدله الظاهري، لكن قلبه كان قد قسا من كثرة ما شهد من خصومات البشر وأطماعهم. كان ينام على الأرائك الحريرية، لكن الأرق كان ينهش جفنيه، وكأن دماء المظلومين أو آهات المعوزين باتت طيوراً كاسرة تحوم فوق سقف مضجعه.
رؤيا في منتصف الليل
في ليلةٍ صاهدة أضاء فيها القمر قبة السماء، غرق القاضي في نومٍ ثقيل، فرأى ححلمًا هز أركانه.
رأى أنه يقف في وادٍ سحيق تُحيط به النيران من كل جانب، وتتأرجح تحت قدميه قنطرة رفيعة كحد السيف. وكان يجلس على الطرف الآخر ملكٌ جليل يمسك بميزانٍ ضخم. صعد القاضي إلى الميزان، ف وُضعت أحكامه وكتبه في كفة، ووُضعت صرّة صوفية صغيرة محروقة الحواف في الكفة الأخرى. وارتفعت أحكام القاضي وهوت الصرّة الصوفية ثقيلةً، وسمع صوتاً يدوي بين الجبال:
"يا ابن الجوزي، أحكامك عدلٌ بغير روح، وإنما يُنجي العبدَ حبُّ الفقراء وصدق الخبيئة. اطلب أم الفقير في سوق الأسرار، فإن في خبزها سر نجانك!"
استيقظ القاضي فزعاً، وعرقه يبتل رداءه. لم ينتظر طلوع الفجر، بل ارتدى عباءة خشنة خالية من الزخارف، وانطلق بمفرده يترجل نحو أزقة سوق الأسرار.
سوق الأسرار وعجائب الحكايات
كان سوق الأسرار في هدوء السحر يهمس بأسراره. وبينما كان القاضي يجوب طرقاته الملتوية، التقِى ببعض الشخصيات الشعبية التي تناقلت الألسن أخبارها:
شيخ العطّارين (أبو البركات): رجلٌ يعصر أعشاب العرافين في قارورات زجاجية، يُقال إنه يملك زقاقاً يحتوي على "عطر النسيان" و"حبر الصدق". عندما رأى القاضي، ابتسم وقال: "تبحث عن العدل في الكتب يا سيادة القاضي، وهو يُعجن بالماء والطحين في زاوية السوق!"
الحكواتي الأبكم: رجل يجلس عند مفترق الطرق، يرسم على التراب خطوطاً تحكي قصص الملوك الذين زالت ملوكهم بالظلم، والفقراء الذين رفعهم الصبر.
واصل القاضي سيره حتى وصل إلى أطراف السوق، حيث ينبعث ضوءٌ ضئيل من تنور أم الفقير. كانت العجوز تطعم صبياً يتيماً وتدعو له بالبركة.
تقدم القاضي بخطوات خائفة، وسلّم برفق. رفعت أم الفقير رأسها، ولم تندهش لرؤية القاضي بزيّه المتواضع، وكأنها كانت تنتظره. قالت له بصوتٍ كعزف العود القديم: "تأخرت يا ابن الجوزي.. الحلم الذي رأيته الليلة لم يكن لك وحدك، بل كان تذكرةً لقسوة قلبك."
الاختبار والسر المحفوظ
ذهل القاضي وسألها: "كيف علمتِ بحلمي يا أم الفقير؟ وما السر في خبزكِ الذي شُهد له في ملاك السماء؟"
جلس القاضي على حصيرٍ خشن، وأخرجت له أم الفقير كسر خبزٍ دافئة وماءً من البئر. ثم بدأت تحكي له قصة التراث الكبرى:
"قبل أربعين عاماً، كنتُ زوجةً لتاجرٍ أثرى أثرياء هذه البلدة. وكان زوجي يظلم أجراءه ويمنع زكاة ماله. وفي ليلةٍ ماطرة، جاءه فقير يسأله طعاماً لأطفاله، فطرده وأطلق عليه كلابه. في تلك الليلة نفسها، شبّ حريقٌ هائل في مخازننا، وأكلت النار كل ما نملك، ولم ينجُ سوى هذه الصرّة الصوفية التي تلف بها رغيفاً واحداً عطفتُ به على ذلك الفقير خفية عن زوجي."
وأضافت العجوز: "يومها علمتُ أن مال الدنيا ظلٌّ زائل، وأن الرغيف الذي تُعطيه بصدق هو ما يبقى لك. أخذتُ هذه البقعة، ونذرتُ حياتي لكفالة كل جائع يطرق سوق الأسرار."
تدمعت عينا القاضي الصارم، واستشعر صغر قدره أمام هذه العجوز الأبية. وسألها: "كيف أصلح ما أفسدته السنون في مجلس القضاء؟"
قالت له: "العدل ليس مجرد نصوص تُطبق، بل هو رحمةٌ تُزرع. انزل من عرشك إلى الناس، واستمع لقلوب المظلومين قبل شهادات الشاهدين."
أثر الرغيف
منذ تلك الليلة، تغير حال بلدة "مأرب العتيقة".
لم يعد القاضي "ابن الجوزي" يقضي في مجلسه جافاً صارماً، بل كان يترجل كل أسبوع إلى سوق الأسرار، يجلس في كوخ أم الفقير، يستمع إلى شكاوى الضعفاء، ويقضي بينهم بالحق والرحمة. كما أنشأ من ماله الخاص موائد للفقراء تُعرف بـ "دار الرغيف"، وجعل أم الفقير مشيرةً له في أمور الصدقات والرعاية.
وعندما توفيت أم الفقير بعد سنوات، شُيّعت في جنازةٍ لم تشهد البلدة مثلها، وسمّي سوق الأسرار باسمها تكريماً لذكراها. وظلت قصتها مع القاضي حكاية شعبية ترويها الأمهات للأطفال في ليالي الصحراء المقمرة:
"إن رغيفاً يُعطى بصدقٍ ومحبة، قد يرجح بموازين العدل، ويغير مصير قاضٍ وأمة."
التعليقات