طمع القاضي وحيلة الأرملة

اخر تحديث:
ابوهبة
كتب بواسطة:
حكاوي ابوهبة

محتويات المقال

طمع القاضي وحيلة الأرملة
 طمع القاضي وحيلة الأرملة

في سالف العصر والأوان، في بلدة من بلدات الجزيرة العربية القديمة، حيث تتشارف البيوت الطينية وتحتضنها نخيل الواحات، عا أرملة طيبة يُقال لها "أم ناصر". توفي عنها زوجها وترك لها ولداً صغيراً ودوراً بسيطاً، ومزرعة نخيل صغيرة هي كل ما تملكه العائلة لسد رمقها وعفة نفسها.

وكان في تلك البلدة قاضٍ يُدعى "القاضي ابن زناد"، عرفه الناس بالوقار والجبة العريضة والصوت الخفيض، غير أن تحت ذلك الرداء ثعلباً خبيثاً يشتعل جشعاً وطمعاً. كلما رأى مالاً أو أرضاً خصبة، حرت في نفسه الرغبة في السيطرة عليها وتملكها بالباطل، مُستغلاً علمه بالحيل الشرعية ونفوذه بين الحكام.

بذرة الطمع

مرّ القاضي يوماً بمزرعة أم ناصر أثناء موسم الصراد (جني التمر)، فرأى عذوق النخيل متدلية بالرطب السكري والبرحي، وتسلل الحسد إلى قلبه. دبر خطة لانتزاع المزرعة، فاستدعى الأرملة إلى مجلسه وقال لها بمكر: "يا أم ناصر، إن زوجك المتوفى كان قد استدان مني مبلغاً كبيراً من الدنانير قبل موته، ولم يسدده، وقد حان وقت القضاء، وإلا حجزت على المزرعة وبعتها لسداد الدين!"

بهتت الأرملة وانقبض قلبها، وقالت بصوت يرتعش: "والله يا قاضينا ما كان لزوجي دين عند أحد، لقد عاش فقيراً ومات شريفاً!" لكن القاضي ابتسم في خبيث ورفع صكاً مزوراً، وقال: "هذا خط يده وشهدائي حاضرون، أمامك ثلاثة أيام إما أن تدفعي مائة دينار ذهبية، أو أضع يدي على المزرعة."

شباك الحيلة

خرجت أم ناصر وموجات الهم تعصف بها. ذهبت إلى كبار القوم وأعيان البلدة تطلب النجدة، لكن أحداً لم يجرؤ على الوقوف بوجه القاضي وشهوده المزورين. حينها أدركت الأرملة أن الحق لا يسترد بالبكاء، وأن البطش يلزمه الدهاء.

جلست في بيتها وقررت أن تحنس القاضي في شباك طمعه. أخرجت صندوقاً كبيراً كانت تتوارثه العائلة، واستأجرت رجلاً من الأعراب الجمالة من خارج البلدة، وأعطته صرة من الدريهمات واتفقت معه على دور يلعبه.

في اليوم التالي، دخلت أم ناصر على القاضي في مجلسه الخالي، وقالت له بصوت خفيض يبدو عليه الاستسلام: "يا قاضينا الجليل، إنني أقرّ بفضل حكم، ولا أريد أن تفضحني بين أهلي وتأخذ المزرعة. عندي سر خبيئة تركها زوجي، وهي صندوق ملاذاً من الحلي والذهب والدرر الجواهر يسوى ألف دينار!"

اتسعت عينا القاضي وابتهج قلبه بالصيد الثمين، فقالت له: "لكنني أخشى من أعين اللصوص والسراق، لذا سأحضره لك الليلة في عتمة الليل لتأخذ منه مقدار دينك، وترد لي الباقي والمزرعة."

المصيدة في العتمة

مع هبوط الليل وسكون الأزقة، أتت الأرملة ومعها الأعرابي يحملان الصندوق الثقيل. وضعه الأعرابي في صحن دار القاضي وخرج مسرعاً. أغلقت أم ناصر الباب وفتحت قفل الصندوق ببطء، فسطع في عيني القاضي بريق السلاسل والدرر — وكانت في الحقيقة زجاجاً ملهجاً وحجارة ملونة أتقنت الأرملة طلاءها بالذهب ووضعها فوق طبقات من الحجارة الثقيلة.

سالت يسيل لها لعاب القاضي، وقبل أن يمد يده ليقبض على الصندوق، قالت له الأرملة: "يا قاضينا، إن الصندوق لا يُفتح إلا بعهدة، اكتب لي كتاباً بخط يدك وختمك الرسمي يقرّ بأنك استوفيت دين زوجك كاملاً، وأن المزرعة حرة لا حق لك ولا لغيرك فيها، حتى أطمئن وأدع الصندوق عندك."

تغلب الجشع على عقل القاضي، ولم يفكر إلا بالكنز الذي أمامه. جلب الرقعة والمحبرة فوراً، وكتب إقراراً بختمه الصريح ببراءة ذمة زوج الأرملة وإعادة المزرعة إليها خالية من أي ادعاء.

الفضيحة والعدالة

أخذت أم ناصر الورقة وخبأتها في صدرها، ثم قالت له: "سأذهب لأستدعي ابني ليساعدك في فرز الكنز." وما إن خرجت حتى أغلقت الباب خلفها بمفتاح أعدته سلفاً، وأسرعت إلى والي المدينة ورجال الشرطة، وكانت قد اتفقت مع الوالي مسبقاً وأخبرته بالقصة ورجته أن يراقب المشهد.

حضر الوالي ورجاله وحاصروا بيت القاضي، واقتحموا الدار ليجدوا القاضي يجثو على ركبتيه يحاول كسرة الصندوق، بينما اكتشف للتو أن ما داخله ليس إلا حجارة وزجاجاً زائفاً!

أخرجت الأرملة إقرار القاضي الختمي وأمضته أمام الوالي، قائلة: "هذا إقرار القاضي بخطه وختمه يستوفي دينه الزائف ويشهد ببراءة مزرعتي!"

سقط القاضي في شر أعماله، وعرف الوالي حيلته وجشعه الممتد لسنوات، فأمر بعزله عن القضاء فوراً، وجرده من أمواله المغتصبة وأمر بسجنه لتكون قصته عبرة لمن يعتبر. وعادت أم ناصر إلى مزرعتها ونخيلها مرفوعة الرأس، وتسامر أهل الواحة بحيلتها الذكية التي صرعت بها طمع القاضي وحفظت بها حقها.

شارك المقال:
ابوهبة
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات